نورالدين علي بن أحمد السمهودي

148

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

وصنع الأسود الطعام ، ودفن كل منهم سيفه تحته في الرمل مجردا ، فلما جلس الملك وقومه للأكل وثبت عليهم جديس حتى أبادوهم ، ثم قتلوا باقيهم ، فهرب رجل من طسم حتى لحق بتبّع تبان أسعد بن كلكيكرب ، وقيل : بحسان بن تبّع الحميري وكان بالمدينة ، فاستغاثه ، وذكر أبياتا فيها غدر جديس بهم ، فوعده بنصره ، ثم رأى منه تباطؤا فقال : إني طلبت لأوتاري ومظلمتي * بال حسّان آل العز والكرم المنعمين إذا ما نعمة ذكرت * والواصلين بلا قربى ولا رحم قصة زرقاء اليمامة في أبيات أخرى ، فسار تبع من المدينة في جيوشه ، حتى إذا كان عند جبل على ليلة من اليمامة قال له الطسمي : توقف أيها الملك فإن لي أختا متزوجة في جديس يقال لها يمامة أبصر خلق الله على بعد ، وإني أخاف أن ترانا فتنذرهم بنا ، فأقام تبع ، وأمر رجلا فصعد الجبل ليرى ما هناك ، فدخل في رجله شوكة بالجبل ، فأكب يستخرجها ، فأبصرته اليمامة ، وكانت زرقاء العين ، فقالت لهم : إني أرى على الجبل الفلاني رجلا وما أظنه إلا عينا ، فقالوا : ما يصنع ؟ فقالت : إما يخصف « 1 » نعلا أو ينهش كتفا ، فكذبوها ، ثم قال الطسمي لتبع : إن بصرها بالليل أنفذ فمر أصحابك ليقطعوا من الشجر أغصانا ليستتروا بها فيشبهوا « 2 » عليها الأمر ، ففعلوا ، حتى إذا دنوا من اليمامة ليلا ؛ فنظرت اليمامة فقالت : يا جديس سارت إليكم الشجر ، أو جاءتكم أوائل خيل حمير ، فكذبوها ، فصبّحتهم حمير ، فهرب الأسود في نفر من قومه لجبلي طيء وفتح أهل المدينة حصون اليمامة ، وامتنع عليهم حصن زرقاء اليمامة ؛ فصابره تبع حتى افتتحه ، وقبض عليها ، وسألها : كيف أبصرتهم ؟ فأخبرته بخبر الذي صعد الجبل ، فسأله تبع ، فقال : صعدت فانقطع شراك نعلي وأصابتني شوكة ؛ فعالجت إصلاحها وإصلاح قبالي بفمي ، فقال لها : أنّى لك هذا ؟ قالت : كنت آخذ حجرا أسود فأدقه وأكتحل به : فكان يقوي بصري ، فيقال : إنها أول من اكتحل بالإثمد ، فأمر تبع بقلع عينيها ليرى ما فيهما ، فوجد عروقها كلها محشوة بالإثمد ، وخربت اليمامة يومئذ ؛ لأن تبعا قتل أهلها ، ولم يخلف بها أحدا ، ورجع إلى المدينة . هذا ما ذكره المجد عن ياقوت باختصار ، وليس فيه عكس القضية ؛ فيجوز أن يقع بكل من اليمامة والمدينة مثل هذا ، والظاهر أن قصة اليمامة كانت بعد قصة المدينة .

--> ( 1 ) يخصف نعلا : يصلح نعلا . ( 2 ) اشتبه عليها الأمر : اختلط عليها الأمر .